ابن جبير

183

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

من الأرض وفي صفحه الأعلى ثقب نفاذ تخترقه الرياح ثم رحنا من ذلك الموضع وبتنا بوادي الكروش على غير غير ماء ثم أسرينا منه وأصبحنا على فيد يوم الأحد وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض يمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان وهو معمور بسكان من الاعراب ينتعشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق وهناك يترك الحاج بعض زادهم اعدادا للإرمال من الزاد عند انصرافهم ولهم بها معارف يتركون أزودتهم عندهم وهذا نصف الطريق من بغداد إلى مكة على المدينة شرفها الله أو أقل يسيرا ومنها إلى الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة طيبة والمياه فيها بحمد الله موجودة في مصانع كثيرة ودخل أمير الحاج هذا الموضع المذكور على تعبئة وأهبة إرهابا للمجتمعين به من الاعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج فهم يلحظونهم مستشرفين إلى مكانهم لكنهم لا يجدون إليهم سبيلا والحمد لله والماء بهذا الموضع كثير في آبار تمدها عيون تحت الأرض ووجد الحاج فيها مصنعا قد اجتمع فيه الماء من المطر فانتزف للحين وامتلأت أيدي الحاج القمرين من غنام العرب بالمبايعة المذكورة فلم يبق مضرب ولا خيمة ولا ظلالة الا والى جانبها كبش أو كبشان بحسب القدرة والوجد فعم جميع المحلة غنم العرب وكان ذلك اليوم عيدا من الأعياد وكذلك عمتهم أيضا جمالهم لمن أراد الابتياع منهم من الجمالين وسواهم للاستظهار على الطريق وأما السمن والسعل واللبن فلم يبق الا من تحمل أو استعمل منها بقدر حاجته وأقام الناس يومهم ذلك مريحين بها إلى ظهر يوم الاثنين بعده ثم أسروا نصف الليل ترتيب سيرهم المذكور قبل ونزلوا ضحوة يوم الثلاثاء الثامن عشر لمحرم وهو أول يوم من مايه بموضع يعرف بالأجفر وهو مشتهر عندهم